عن العاصمة والأفكار الكبيرة

 

انقادات لاذعة وكتبات ساخرة وشكوك سافرة واتهامات شتى قوبل بها مشروع العاصمة الجديدة. والحق ان اغلب الاتهامات لم ترفض الفكرة من حيث المبدأ بل شككت بالدوافع ونزاهة التنفيذ وطرحت هواجس شتى، وتساءل البعض كيف لحكومة لا تجد مالا للإنفاق على خبز الناس أن تفكر في مشروع يحتاج الى المليارات؟!
لا نلوم الناس.. فهناك فجوة ثقة معهودة مع الحكومة وثمة شح في المعلومات، ثم هناك نظرية المؤامرة المتمكنة من العقول وتبرز مع كل فكرة كبيرة. خذ مثلا مشروع الأقاليم ثم اللامركزية أو مشروع قناة البحرين. وأتذكر كم من الشبهات أحاطت مشروع الديسي الذي أنقذنا من العطش، بينما التردد والتأجيل رفع كلفته من 300 مليون إلى مليار دينار. وللتوضيح –وأفترض أن الحكومة ستلجأ للقيام بتوضيحات كافية– دعونا نقول ما يلي:
– عمان الجديدة ستقع في مكان ما جنوب شرق عمان وستكون العاصمة السياسية حيث ستنتقل لها مؤسسات البرلمان ورئاسة الوزراء والوزارات والسفارات ومؤسسات مركزية أخرى.
– سيعلن عن مكانها بعد إنجاز المخطط الشمولي، وهو بالطبع مخطط قابل للتعديل والتطوير والإضافة وفق النقاش العام والمساهمات التي سيقدمها ذوو الاختصاص.
– ستكون عمان الجديدة بالكامل على أراض للخزينة ولن يكون هناك أي مضاربات عقارية.
– سيتم وضع خطة كاملة وفق المخطط الشمولي للقطاعات المختلفة وأنظمة المشاركة وكودات معروفة دوليا، فبعض المرافق تكون بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T)، خصوصا لخدمات البنية التحتية كالطرق والمجاري أو التعاقد الدائم للمياه والكهرباء وخدمات بلدية كالنفايات أو بطرق أخرى معروفة وستحال العطاءات بصورة شفافة لائتلافات وشركات متخصصة وفي النهاية هناك البيع المباشر لقطع أراض وفق المخطط المرسوم والتصاميم المقررة للإسكانات والبيوت والمكاتب.
– سترتبط بشريانات رئيسة مع عمان الكبرى والزرقاء والطرق الرئيسة لمناطق المملكة، وستتولى شركات إقامة الطرق الجديدة واستثمارها برسوم كما في تجارب دول العالم.
– سيتم وضع أنظمة وتعليمات وربما قانون للمشروع لمنع التجاوز والتلاعب والفساد، وسيكون الدرب واضحا للجميع وخصوصا المستثمرين والشركات التي ستنافس وتشتغل في المشروع.
– ستكون مساهمة الدولة في الشراكات مع القطاع الخاص والإنفاق على البنية التحتية من قيمة الأرض التي سترتفع بشكل هائل، وستوضع آلية لتقييمها وفق قيمتها المستقبلية ولن يخصص أي انفاق من الموازنة العامة للدولة. وأخيرا هناك دول كثيرة نقلت عواصمها مثل روسيا والبرازيل ونيجيريا وميانمار وكازاخستان وتنزانيا وساحل العاج، وثمة تجارب في بناء مدن كبيرة من الصفر يمكن ان نأخذ منها افضل الممارسات.
تاريخنا ليس إيجابيا مع الأفكار الكبيرة بعكس الإمارات ودبي وأبو ظبي، وليست المسألة المال فقط؛ فهناك أمثلة على دول صنعت قصص نجاح تدير الرأس دون مصادر ثروة من أي نوع غير العقل والتصميم على ملاحقة الحلم. وأذكر عندما بدأ عصر الفضائيات كنا أول من طرح فكرة المدينة الإعلامية العام 2000، وكنا مؤهلين لذلك، لكن تردد وممانعة البيروقراطية المحافظة فوت الفرصة فأخذت دبي الفكرة وخلال عامين كانت مدينتها الإعلامية قد أصبحت قبلة الشركات والمحطات وصنعت شيئا يضاهي الخيال. وقد كتبت قبل حين مقالا حول “الجرأة على الأفكار الكبيرة”، وأعتقد أن مستقبل الأردن يكمن في المشاريع الكبرى مثل قناة البحرين والسكة الحديد وأنبوب النفط وغيرها، والتمويل ليس عقبة؛ فنسبة كبيرة منه تأتي من عوائد المشروع المرهونة للممولين والمنفذين كما هو حال الديسي. المهم أن نفرد أجنحة للتحليق والمستحيل يصبح حقيقة.

الإثنين, أكتوبر 30th, 2017 0 مشاهدة لا تعليق

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: