سياسات “المغتربين الأردنيين”

 

أشار التقرير الذي صدر مؤخراً عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي إلى موضوعات مهمة ورئيسة (سنعود لها لاحقاً)، من ضمنها ملف المغتربين الأردنيين الذين يعملون في الخارج، وتشجيع عودة مدّخراتهم إلى الوطن، وفي ظنّي أنّ مثل هذا الهدف ينبغي أن يكون جزءاً من إعادة التفكير جذرياً وجوهرياً في الموضوع وجعله إحدى الأولويات الرئيسة في المرحلة القادمة.
من القضايا الأولى التي اهتمّ بها وزير الخارجية، أيمن الصفدي، منذ دخوله إلى الحكومة هو تحسين الخدمات القنصلية المقدّمة إلى المغتربين الأردنيين في الخارج، وهو توجه جيد ومهم، لكنّنا بحاجة إلى تقييم حالي إلى نتائج ما تم الإعلان عنه من قرارات وتطويرات على أرض الواقع اليوم.
مع ذلك، فإنّ الموضوع القنصلي – على أهميته الشديدة- لا يغني عن الموضوعات الأخرى، وقد طرحت الزميلة جمانة غنيمات مؤخراً (خلال لقاء مع وزير الخارجية) ضرورة إحداث نقلة نوعية جوهرية على سياساتنا وتفكيرنا تجاه المغتربين، الذين أصبحوا اليوم يقاربون المليون في الخليج، بالإضافة إلى عشرات الآلاف في دول أخرى، يشكلون وحدهم ثروة وطنية مهدورة كبيرة.
قدّم الصديق سعيد أبو عودة (وهو ابن عدنان أبو عودة، ومغترب أردني في قطر) خطة متكاملة لمؤسسات القرار في الأردن في سياق إعادة استثمار وجود الأردنيين في الخارج، لن نكشف عنها لأنّها ما تزال في طور الحوار مع الدولة، لكنّها تهدف إلى تطوير العلاقة بين وزارة الخارجية والقطاع الخاص الأردني والاستثمارات المتاحة والممكنة في الخارج، ويكون المغتربون الأردنيون فيها جسراً من جسور إنشاء هذه العلاقة.
على العموم المسألة مترابطة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وفيها أبعاد رمزية وعاطفية عديدة، تستحق التفكير عميقاً فيها، وأن تكون من ضمن أولويات الوزير الصفدي والإنجازات التي يمكن أن يحققها، وهي تقتضي أيضاً إعادة هيكلة وزارة الخارجية كي تكون مؤسسياً ووظيفياً مؤهلة وقادرة على القيام بهذه المهمة، ويقتضي أيضاً التعاون مع مؤسسات الدولة الأخرى.
كثير من الأردنيين سمعوا عن قانون فاتكا الأميركي، الذي يلزم البنوك والمصارف الأجنبية بالكشف عن الحسابات الأميركية في البنوك الأردنية، وهو قانون حقق نجاحاً واضحاً والتزم به الجميع. بالطبع لا يمكن تحقيق ذلك أردنياً للبون الشاسع بين الحالتين، لكن من الممكن اجتراح وسائل أخرى لتشجيع الأردنيين في الخارج على الالتزام بالضرائب، لكن قبل ذلك من المطلوب أيضاً ألا تكون العلاقة بوليسية أو قائمة على الترهيب والوعيد، بل أن يشعروا بعلاقتهم بالوطن على أكثر من صعيد، منحهم حقوقهم كاملة، وأنّنا لا ننساهم ونحترمهم ونقدر مساهماتهم قبل أن نطالبهم بواجباتهم!
آن الأوان أن نفكر بقاعدة بيانات دقيقة وكبيرة وشاملة عن المغتربين الأردنيين في الخارج، وبتوثيق القدرة على الاتصال بهم ونقل رسائل الدولة إليهم، ومن الضروري “رفع الفيتو” عن مشاركتهم في الانتخابات، وعن توفير الأدوات والضمانات اللازمة لتمكينهم على الأقل في الدول التي يوجد فيها كثافة أردنية من المشاركة في تلك البلاد، وتسهيل توظيف مدخراتهم في الداخل الأردني، وتعزيز قنوات التواصل معهم ليس فقط لإيصال رسالة الدولة بل التلقي منهم والتفاعل معهم.
موضوع المغتربين حزمة متكاملة، وهو تشريعات وسياسات وإعلان وثقافة واتصال، يبدأ بالجوانب القنصلية ويمرّ عبر السياسية والثقافية، ويصل إلى الاقتصادية والاستثمار والضرائب.
قد يقول البعض إننا لا نستطيع مواجهة التهرب الضريبي في الداخل، فكيف الحال مع الخارج، وهو قول يخلط ما بين أمور مختلفة، فالأصل أن نفكّر في المسارين معاً، لا تعطيلهما سويةً!

الإثنين, أكتوبر 16th, 2017 3 مشاهدة لا تعليق

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: