الموضة في مقاربة الفنّ للفنّ

حُلم إبداعٍ في قمّته، لا يعرف استفاقةً ولا تنهيدة، هو الذي يشهد عليه القرن الـ21 بين مهندسي القماش والقوام الأنثوي ومبدعي الريشة وفنونها الرديفة… من تصميم قبّعةٍ على شكل حذاء بتوقيعٍ مشترك من الثنائيّ دالي-سكاباريلّي في الثلاثينيّات إلى الاستعراض – أو الفنّ الشامل، نجول في دهاليز ابتكاراتٍ أبت إلّا أن تكون أيقوناتٍ في متاحف حيّة.

القبّعة-الحذاء

تزامناً مع انبثاق الحركة السرياليّة، عام 1924، نتاج عبثيّة الحرب العالميّة الأولى، والتي تقوم أعمالها على تداخل عناصر متباعدة من الواقع في سياقٍ لا يمتّ للأوّل بصلة، في تحفةٍ فنّيّة معيار جمالها ما يجول في لاوعي الفنّان، شكّك بعض روّاد تصميم الأزياء بالبعد “الوظيفي” للملابس، على رأسهم مبتكرة تأثير الـTrompe l’œil (“الخدعة البصريّة”)، إلسا سكاباريلّي Elsa Schiaparelli، التي كانت تقارب الأزياء كقطعٍ فنّية… إلى أن جاء التعاون الأسطوريّ بينها وبين الرسّام التشكيليّ السرياليّ سلفادور دالي Salvador Dali عام 1937، الذي حضّر من أجلها، بناءً على اقتراج زوجته وملهمته غالا Gala، مسوّدةً لتصميم قبّعة على شكل حذاء نسائيّ مقلوب، من الفوتر الأسود وذي كعبٍ باللون الأحمر، لمجموعتها الخاصّة بالخريف والشتاء؛ تصميمٌ لم يخطف الأضواء عن فستانها الأسطوريّ Lobster من العام نفسه، الذي يزيّنه كركندٌ مرسومٌ يدويّاً بتوقيع دالي ذاته، كاستذكارٍ فنّيّ مكمِّل للوحته Dream-Man Finds Lobster in Place of Phone (1934).

بصمات آندي وارهول

ألوان لوحات Schiaparelli الدعائيّة بتوقيع فنّان البوب-آرت الأسطورة، آندي وارهول Andy Warhol، لم تخبُ على مرّ عقود… أمّا التحفة الاستنساخيّة الأجمل لابتكاراته، فوقّعتها أنامل جانّي فيرساتشي Gianni Versace عام 1991، في فستانٍ وحقيبة تألّقت بهما العارضة ناوومي كامبل، مطبوعين بالكامل برسومات الشاشة الزاخرة بالألوان التي خصّها وارهول لمارلين مونرو Marilyn Monroe بين العامين 1963 و1967. فكانت الإطلالة قمّةً في الجاذبيّة، أثنى عليها التأثير الثلاثيّ الأبعاد للطبعات.

ظاهرة موندريان

لم يكن فستان Mondrian لمبدعه إيف سان لوران Yves Saint Laurent عام 1965 أوّل استلهامٍ للّوحات الهندسيّة التي تحمل توقيع الرسّام الهولّندي بييت موندريان Piet Mondrian، والقائمة على خطوطٍ تكعيبيّة بمفهوم الـBlock Colour. البداية أطلقتها دار هيرميس Hermès في الثلاثينيّات، من خلال بطانات حقائب سفر وأخرى محمولة. بالعودة إلى أيقونة عاشق الفنّ وجامع تحفه، الفرنسيّ سان لوران، شكّلت الأخيرة بدورها مصدر إلهامٍ في الموضة والفنّ لم ينضب حتّى اليوم، عندما كشف المصمّم عن مجموعته Fall Mondrian Collection: في تناوب ألوان الأبيض والأسود والأحمر والأزرق والأصفر، أطلّت فساتين كوكتيل ربّما قصد مبتكرها أن تُفصَّل بقصّة الـA Line، كأنّ المراد بها نقلٌ إبداعيّ غير مسبوق لإطار لوحات الرسم المعهودة.

باكو رابان مهندس الحداثة

حافظ المصمّم الإيطاليّ باكو رابان Paco Rabanne على وصيّة والدته له: “في الأزياء، لك كلّ الحرّيّة إلّا واحدة، لا تقلّل من قدر جمال امرأةٍ على الإطلاق”، عندما قدّم مجموعة 12 Unwearable Dresses in Contemporary Materials الأيقونيّة، المؤلّفة من قطعٍ معدنيّة على شكل مكعّبات ومن خامة المطّاط الصناعيّة، في أوّل عرضٍ له، عام 1966. على الرغم من الموادّ المستخدمة غير المعهودة، تمكّن رابان بحرفيّةٍ وبراعة من نقل تصوّره الهندسيّ مفصّلاً على مقاسات قامات عارضاته، بأنوثةٍ مستحدثة لم يُنتقص من مقوّماتها.

قصّة معطفٍ أحمر

لم يمرّ المبدع المخضرم الهويّات واللمسات جون غالّيانو John Galliano مرور الكرام على دار Dior… في آخر عرض خياطة راقية خصّ به الدار الفرنسيّة لربيع وصيف 2011، والاستعراضيّ كما سابقاته، أبهر الحضور بإطلالة المعطف الأحمر المستوحى من رسمين إعلانيّيّن وقّعهما صديق مؤسّس الدار رينيه غرويو René Gruau في حقبة الـNew Look: سترة Bar الشهيرة وياقة المعطف الأسطوريّ حضرا في توليفةٍ فنّيّة تجرّأت على محاورة لوحة دعائيّة، هي بذاتها “استنساخٌ” موقّع بأنامل ليست فعليّاً لمُطلق خطوط هذين التصميمين.

بريشة شانيل

ختامها مسكٌ مع اللوحات الفنّيّة التي أطلقتها دار Chanel، من 17 إلى 20 أبريل 2016، على صفحتها الرسميّة على إنستغرام، بعنوان Colour is an Art وترجمته “اللون فنّ”. في هذا المعرض الإلكترونيّ، تكشّفت تعاقباً 9 لوحاتٍ تلقي كلٌّ منها تحيّة ثناء على تحفةِ رائدٍ في الرسم التشكيليّ قَلَب معايير الفنّ في القرن المنصرم، وقد نُفّذت برِيَش طلاءات أظافر Le Vernis de Chanel. من الرسومات التي تشفّ عبرها تركيبات ألوان طلاءات المجموعة، لفتتنا لوحةٌ جريئة في رسالتها، ستبصم تاريخ الدار لا محالة، هي Tribute to René Magritte، التي تتبنّى فكرة لوحة الرسّام السرياليّ ماغريت Ceci n’est pas une Pipe (“هذه ليست بيبة”)، وفيها استُبدلت البيبة بطلاء Le Vernis باللون الأحمر وبعنوانٍ ترجمته “هذا ليس طلاء أظافر”.

فنّ العرض والاستعراض

مع إطلاق المبدع الإنكليزيّ تشارلز فريدريك وورث Charles Frederick Worth مفهوم الخياطة الراقية أواخر القرن الـ19، اكتست تصاميم الأزياء حلّة قطعٍ فنّيّة لا ثاني للواحدة منها. لاحقاً في العام 1911، وبالتزامن مع حفلات المصمّم الفرنسيّ بول بواريه Paul Poiret الاستعراضيّة المخصّصة لإطلاق مجموعات أزيائه، أثنت المصمّمة لوسي غوردن Lucy Gordon على مكانة ابتكارات الموضة من خلال أوّل عرض أزياءٍ في التاريخ، ابتدعته في متجرها الباريسيّ، عن طريق مَسرَحة حركات العارضات والتمهيد لِما يُعرف اليوم بالـFashion Show، الذي يشكّل بذاته لوحةً فنّية متحرّكة، صورةً وصوتاً.

إلى المتاحف، الشاهدة بصمتٍ مهيب على فرادة أيقونات مبدعي الأناقة، ومسرح Le Petit Théâtre de Dior، الذي تنقّل منذ العام 2014 بين عواصم الموضة والمدن العالميّة، بما فيها دبي، جامعاً إبداعات ديور في نماذج مصغّرة وإخراجٍ تتفتّح فيه الأخيرة كأزهار حديقة سيّد الدار، كما في داخل عالم الصناديق الموسيقيّة. خطوةٌ ألقت التحيّة على حدثٍ أعاد زخم تحف الخياطة الراقية الفرنسيّة إلى حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة، بمشاركة كريستيان ديور، هو Théâtre de la Mode، عام 1945. أمّا هذا العام، فلم يبخل متحف Christian Dior Museum في غرانفيل من استضافة عرض مهدىً لنجمات الشاشة الذهبيّة، في تألّقهنّ في ابتكارات الدار، منذ العام 1947. عرضٌ سارٍ حتّى 25 سبتمبر 2016.

داخل متحف Metropolitan Museum of Art

نختم جولتنا مع معرض الأزياء السنويّ، الفنّيّ بامتياز، الذي ينظّمه المتحف النيويوركي Metropolitan Museum of Art، وعنوانه لهذا العام Manus x Machina: Fashion in an Age of Technology. هذا العرض التذكاريّ، الذي يمتدّ حتّى الـ14 من أغسطس 2016، يلقي الضوء على اختلاف تقنيّات الخياطة اليدويّة وتلك الصناعيّة مروراً على نخبة ابتكارات القرنين المنصرم والحاليّ. ونجم المعرض ثوب زفاف من توقيع كارل لاغرفيلد لدار Chanel، خاصّ بمجموعتها لخريف 2014، والذي يفترش ذيله المشغول بالتطريزات المذهّبة مساحة 20 قدماً.

The Third Dimension

فيما لا تكلّ أقلام صحافة الاقتصاد عن إيعاز الانجذاب المتبادل بين مصمّم الأزياء والفنّان إلى حاجة الأوّل إلى مادّةٍ أو خلفيّةٍ ذات قيمة ترفع من مكانة “تحفه الاستهلاكيّة”، في مقابل سعي الأوّل إلى ما يخرجه من شرنقته نحو شهرةٍ تتخطّى دائرة قرنائه، لا ننكرنّ أنّ ثمرة هذا التعاون ما هي إلّا تحفةٌ فنّيّة أخرى بمثابة البعد الثالث لِما ترنو إليه العين التوّاقة أبداً إلى الجمال.

الثلاثاء, ديسمبر 13th, 2016 42 مشاهدة لا تعليق

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: