الحياة مستحيلة من غير كذب

 

كنت متحيرا في تفسير سلوك الأسواق الكبيرة وبخاصة في الظروف الاستثنائية مثل الثلوج. وكنت أظنه سلوكا مستمدا من ذاكرة الكوارث والنكبات، أو أنه سلوك احتفالي.. لكنه سلوك في عدوانيته يبدو أقرب إلى الصيد. نجمع السلع من السوبرماركت كما لو أننا نقتل الطرائد أو نمنع الخصوم من الحصول عليها أو نخشى ألا تتكرر الفرصة فالصيد فرصة لا تظهر الا قليلا ويغلب عليها الاختفاء والتنافس والصعوبات، فالإنسان كائن صياد. وما فعلته الحضارة في السنوات الاثني عشر ألفا الأخيرة هو تحسين الصيد وتطويره وتنظيمه والارتقاء به.
إن السلوك الثقافي والاجتماعي بما هو وعي الذات والاستيعاب الإنساني لمخاوفه ومحاولته تحسين بقائه ومعيشته يؤشر بطبيعة الحال على هذا الوعي والمرحلة التي يقف فيها، إذ يبدو أن الإنسان يرتقي الحياة والحضارة، ويفترض أن تعبر محاولات الارتقاء في الحياة باعتبارها إدراكا ذاتيا عميقا ومستقلا عن التنظيم الاجتماعي والديني ليصل الإنسان إلى حالة لا يعود فيها حاجة إلى دولة أو قانون ومؤسسات وشرطة ومحاكم وموظفين وقادة .. وهذا هو على الأرجح اليوم الآخر، أو نهاية الشيوعية، أو الإباحة والإراحة كما في مذاهب فلسفية دينية، أو الفارق المنتظر في نبوءة اشعيا.. وحينها كما تقول النبوءة تجعلون دروعكم سككا وسيوفكم مناجل! هكذا أيضا فإن القيم والأخلاق بما هي فعل الصواب وتجنب الخطأ من غير حافز قانوني أو ديني تعبر عن الإدراك الذاتي العميق بالحياة، ويعكس التزامها لأسباب دينية أو قانونية الخوف والبقاء. وفي الأصل فإننا نحب لأجل ذواتنا، ونعطي ونضحي لأجل ذواتنا، .. تستحق الحياة أن نموت ونعطي ونضحي لأجلها، لكن في ذلك تتجه الحضارة إلى إنسان مكتفٍ بذاته يعمل بنفسه لنفسه ويعلم نفسه بنفسه ويداوي نفسه بنفسه! فلا يحب الإنسان بما هو كائنٌ حيٌ صيادٌ أن يحمل شيئا، ويتخلى عما يعوقه. وفي ذلك تظل الحضارة تسعى إلى الفرد المكتفي بذاته.
وفي الفهم البيولوجي للثقافة يمكن ملاحظة وتقييم التدين الكاسح والشامل أكثر مما يطلب الدين من أتباعه، وإقحام الدين في مجالات وتطبيقات لم يأمر بها الله، والتصدي للدفاع عن الدين والشعور بالهجوم على الدين في كل مقولة أو فكرة،.. لا يعكس ذلك تدينا أصيلا بمعنى التواصل الروحي (الصلاة) مع الخالق والكون والعمل لأجل السلام والطمأنينة، فلا يمكن أن يصاحب ذلك عنف أو فظاظة أو عداوة ولا يفسر أيضا السلوك المتناقض مع الدين في حالات ومجالات أخرى مثل التحرش والغش والسلوك غير الاجتماعي.. ولا يعكس تعاليم دينية بل ولا يعكس معرفة بالله الذي لا يحتاج إلى من يدافع عنه.. هو إذن سلوك الصياد الخائف الذي يشعر بالتهديد أو الهزيمة أو الخوف المجهول او الخوف من المجهول.. هو الفشل الاقتصادي والاجتماعي.. تمضي الأمم في احتضارها نحو الانقراض أو النهاية في تدمير للذات وتدخل في حالة من الخوف من كل شيء وعلى كل شيء حتى تتلاشى أو تتحول الى أمة منسية.
والفنون أيضا تحمل بصمات بيولوجية، فالثقافة الإسبانية تنتقد الرقص لأجل إعجاب الجمهور وترى رقص “سالسا” لأجل الشغف، ورقص التانغو لبناء لغة مشتركة وعلاقة لا أسرار فيها ولا أكاذيب، ورقص فلامنغو يعبر عن السعي إلى المشاركة والاندماج، وفي الوقت نفسه فإن المبالغة في المرح والإثارة تعكس الخوف!
وعودة إلى عنوان المقال، إذ الإنسان بما هو صياد فإنه في سلوكه الاجتماعي والثقافي يظل في حاجة إلى الأسرار والتخفي والتمويه،.. ولا يستغني عن الكذب!

السبت, أكتوبر 21st, 2017 6 مشاهدة لا تعليق

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: