الأردن والتحولات السعودية

 

جاء إعلان ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان عن إطلاق مشروع اقتصادي ضخم يمتد الى الأردن ومصر بالاضافة الى السعودية وتصل كلفته الى 500 مليار دولار؛ غامضا بالنسبة للرأي العام الأردني، واستقبل بردود فعل محدودة رسميا وكأن الحكومة لم تسمع بهذا المشروع العملاق إلا في الاخبار.
الى هذا الوقت لا توجد لا معلومات واضحة ولا محدودة عن طبيعة وحجم ومكانة الدور الأردني في مشروع “نيوم” حيث سيكون أول منطقة خاصة ممتدة بين ثلاث دول، فالحلم السعودي الذي طرحه ولي العهد السعودي اذا ما تحقق ولو نصفه سيكون كافيا لتغيير وجه منطقة المشرق العربي وليس فقط الدول الثلاث. يتحدث هذا الحلم عن المنطقة الاكثر أمنا في العالم والتي تتمع بأكثر نظم السلامة تقدما ويتنفس الناس فيها هواء رقميا، منطقة تسيطر على 10 % من التجارة العالمية على اقل تقدير، وتزرع صحاريها بحقول ألواح الطاقة الشمسية، وهناك وعد أن تكون اكبر من سور الصين الجديد، وتقدم حلولا ذكية بدءاً من القيادة الذاتية وحتى الطائرات ذاتية القيادة، وحلولا لتكنولوجيا الزراعة وإنتاج الغذاء، عدد الروبوتات في المشروع أكثر من عدد البشر. ويعمل ضمن تسعة حقول اساسية تركز على المستقبل والابتكار، منها مستقبل الطاقة ومستقبل الغذاء، مستقبل التقنيات، مستقبل النقل، ومستقبل التصنيع المتطور، ومستقبل الإعلام ومستقبل الترفيه.
لا يمكن لهذا المشروع العملاق ان يلامس الواقع بدون نظرة تكاملية واقعية؛ ولا يمكن للأردن ومصر ان يستفيدا من المشروع بدون هذه النظرة التي من المفترض ان تخرج المشروع من صيغ المساعدات والنظرة الرعائية التي سيطرت على علاقات السعودية بالدولتين لفترات طويلة، فلدى كل من الأردن ومصر ما يمكن ان تقدمه للسعودية وما لا تملكه السعودية وسيساهم في انجاح المشروع، ويعيد تأهيل المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.
بدأت السعودية الاهتمام بمنطقة شمال غرب الجزيرة المحاذية للحدود الاردنية الجنوبية والشرقية بشكل واضح منذ تسعينيات القرن العشرين الماضي اثناء وبعد حرب الخليج الثانية؛ بعد ان ازدادت القناعة بأهميتها الاستراتيجية وموقعها الاكثر أمنا، حيث اتخذت موقعا عسكريا مهما ومنطقة للتمارين العسكرية المحلية والأجنبية، وخلال العقود الاخيرة ازدهرت فيها المدن والجامعات والزراعة والتنمية، وأثرت تلك التحولات بعضها سلبيا واخرى إيجابيا على الأردن الذي لم يقم بعملية تقييم لما يجري بالقرب من حدوده.
حان الوقت ان يسعى الأردن إلى تقديم نفسه ليس للسعودية، بل لدول الخليج بشكل عام على أنه طرف في معادلة التكامل في المنطقة قادر ان يعطي مثلما يأخذ، وعلى مستوى التحولات السعودية الراهنة علينا ان ننتبه الى ان مشروع رؤية السعودية ليس مشروعا اقتصاديا وحسب بل هو مشروع اجتماعي وثقافي ثم اقتصادي، ولا يمكن ان ينجح اقتصاديا بدون ان يواكب ذلك تحولات ثقافية واجتماعية، ولعل هذا احد مصادر قلق القيادة السعودية التي باتت تتحدث علنا عن التطرف الذي اختطف المجتمع والدولة لمدة اربعة عقود مضت. هنا يمكن للاردن ان يقدم الجسر الآمن لعبور ثقافي واجتماعي معتدل للاشقاء السعوديين في بيئة اكثر أمنا واستقرارا واكثر انفتاحا واكثر احتراما لقيم الأسرة وتمسكا بروح الاسلام بعيدا عن التطرف والمغالاة، كما هو الحال في بيئة الموارد البشرية التي يمكن ان تضخ عشرات الآلاف من الشباب سنويا من المبدعين والرياديين في الاعمال والابتكار.
وسط الحلم ببناء مدن عملاقة لاقتصاد جديد لا يمكن اغفال البحث عن شكل جديد للتعاون من أجل الأمن والتنمية، فشكل جديد من التعاون الامني في محيط البحر الاحمر العربي أصبح مصلحة مشتركة اليوم أكثر من أي وقت مضى، مع تعاظم مصادر التهديد وازدياد حدة الاستقطاب الدولي والإقليمي المجاور. ويحدث ذلك أيضا في ضوء ازدياد الشعور بالقلق والخوف من القادم في بيئة تتكدس فيها وحولها أكبر ترسانات الأسلحة والجيوش الوافدة، بينما أاصبح نموذج التعاون الإقليمي الذي يمثله مجلس التعاون الخليجي في مهب الريح.

السبت, أكتوبر 28th, 2017 0 مشاهدة لا تعليق

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: