“ابن ناس”

 

من الأوصاف التي يمكن ان تسمعها اذا ما حاولت الاستفسار عن بعض الاشخاص او كنت في مجلس يأتي على ذكرهم وصف “ابن ناس” او “بنت ناس” واحيانا “ابن عالم وناس”. للوهلة الاولى قد يذهب تفكيرك الى الاعتقاد بوجود اشخاص بيننا لا ينتمون للبشر، لكنك لا تلبث ان تدرك بأن المقصود من الوصف ليس الأناسة بمعناها الحرفي بمقدار ما هي محاولة للتدليل على ان الشخص يتمتع بمواصفات وخصال وربما يقوم بأفعال وممارسات يفضلها الناس وتحظى بالقبول والرضا والتقدير من قبل الأقران والأهل والجيران.
حصول الفرد على وصف”ابن أو بنت ناس” تصنيف مهم يؤهل صاحبه لبعض الأدوار وييسر له مصاهرة العائلات المرموقة واستئجار العقارات ويسهل لصاحبه المعاملات التجارية ويحسّن الائتمان والثقة والاستبعاد من قوائم المتهمين والمشكوك بهم في حال ارتكاب مجهولين لأفعال غير مقبولة في الوسط الذي يعيش فيه.
في غالبية مجتمعاتنا المحلية تعطى صفة “ابن ناس” للشخص الذي يبدي احتراما للتقاليد والأعراف ويلتزم بقواعد المجاملات ويشارك في المناسبات ويحترم الكبار ويلقي التحية على الجميع ويساعد الآخرين أو يعرض خدمات المساعدة على الأقارب والجيران عند مرورهم بظروف تحتاج إلى التدخل والمساعدة.
في غالب الأحيان يبدي ابن الناس قبولا للأوضاع الراهنة وتقديرا لها ولا يعترض تصريحا او تلميحا على الأحداث ويبقي على ابتساماته ورباطة جأشه في أدق وأصعب الظروف. ولتمييز أبناء الناس عن غيرهم من الأقران ممن لا يحظون بهذا اللقب فيغلب الصمت أو الوجوم على السامعين عند ذكر أو الاستفسار عن سيرة الاشخاص غير المؤهلين لهذا التصنيف، وفي حالات نادرة قد يتمتم البعض “شو بدنا في سيرة الناس” أو “ولله في خلقه شؤون” و”كل عقله في راسه وبعرف خلاصه”.
فيما يخص الإناث تعتبر الفتاة جديرة بوصف “بنت ناس وعالم” إذا ما كانت متعلمة تحظى باحترام وتقدير أسري، وعلى قدر من الجمال، تبدي التزامها بقواعد السلوك العام، ولها روتين نشاط واضح ومعروف فلا تتأخر عن مواعيدها إضافة إلى أناقتها واحتشامها وإتقانها لفنون التدبير المنزلي.
في الكثير من مجتمعاتنا المحلية تكتسب صفة بنت الناس والعالم قيمة كبيرة بالنسبة للأنثى وبقدر يفوق ما تعنيه بالنسبة للذكر، وتعتبر هذه الصفة شهادة أساسية ومهمة يتم البحث عنها والتأكد منها من قبل الباحثين عن زوجات باعتبارها مؤشرا مهما على صلاحية الفتاة كزوجة وأم قادرة على القيام بواجبات الزوجية وأدوار الأمومة.
في الحالات التي لا تستحق فيها الإناث صفة “بنت الناس” يجيب من يجري سؤالهم بإجابات يفهم منها أن الفتاة أو المرأة غير جديرة بالمكانة التي يحملها التصنيف فيقال “الله يستر على مخلوقاته” أو “أخاف الله” وغيرها من التلميحات التي تكفي لبيان أن هناك تحفظات على سيرة الشخص.
الملفت فيما يحصل في مجتمعاتنا أن بعضا ممن يديرون شؤوننا ويتولون أمورنا لا يملكون في سيرتهم إنجازات واضحة أو مميزة فقد جرى استخدامهم على اعتبار أنهم أولاد ناس وترقيتهم على نفس الاساس وتنقلوا بين عشرات المواقع دون النظر الى ما قاموا به او ما يمكن أن يقوموا به، فقد جرى الاكتفاء بأنهم يجيدون الثناء على عبقرية المدراء والرؤساء في العمل، ويحضرون كل مناسبات العزاء وحفلات الزواج ويحرصون على المشاركة والقيام بالواجب، فلا يزعجون أحدا ولا يشتكون من شيء ويشكرون الله صباح مساء على نعمة النسيان والقدرة على التكيف مع كل الأحوال، فهم أولا وأخيرا “أولاد ناس”.

الجمعة, أكتوبر 27th, 2017 5 مشاهدة لا تعليق

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: